أبي منصور الماتريدي

158

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ . قيل : نادى على قومه بالدعاء عليهم بالهلاك ، لكنه لم يظهر دعاؤه على قومه عندنا ، وإنما ظهرت منه المفارقة والمغاضبة على قومه بقوله : وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً [ الأنبياء : 87 ] ، ولم يكن له أن يفارقهم ، فيقول : اصبر بما حكم عليك ربك من ترك المفارقة عن قومك ، ولا تكن كصاحب الحوت الذي فارق قومه قبل مجيء الإذن له من الله تعالى . والثاني : أن يونس - عليه السلام - لم يصبر على أذى قومه ، بل فارقهم حتى ابتلي ببطن الحوت ، ثم فزع بالدعاء إلى الله تعالى ؛ ليخلصه من بطنه ، فيقول : عليك بالصبر مع قومك ، ولا تكن كصاحب الحوت حيث لم يصبر مع قومه ؛ فابتلي بما ذكر حتى احتاج إلى أن ينادي في الظلمات : أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [ الأنبياء : 87 ] ، فتبتلى أنت أيضا بمثل ما ابتلي هو به ، ثم لا يجوز أن يلحقه [ اللائمة ] « 1 » ويعاتب على ما دعا في بطن الحوت ؛ لأن ذلك عذاب ابتلي به ، ولا ينبغي للمرء أن يصبر على العذاب ، بل عليه أن يبتهل إلى الله تعالى ؛ ليكشف عنه ، وإنما لحقه اللائمة بمفارقة قومه وتركه الصبر معهم . وقوله - عزّ وجل - : لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ . نعمة ربه « 2 » : هو ما وفقه للتوبة والإنابة ، وما قبل منه توبته ، وكان له ألا يقبلها ؛ إذ هو إنما أتى « 3 » بالتوبة بعد أن صار إلى تلك المضايق ، وابتلي بالشدائد وجاءه بأس الله تعالى ، ومن حكمه أنه لا يقبل التوبة بعد نزول العذاب والشدة ، ألا ترى إلى قوله تعالى : فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إلى قوله : فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا [ غافر : 84 ، 85 ] ، فإذا « 4 » قبل توبته ، كان فيه عظيم نعمة من الله تعالى [ عليه ] « 5 » . وقوله - عزّ وجل - : لَنُبِذَ بِالْعَراءِ . وهو المكان الخالي ، ولو لم يتب الله تعالى عليه ، لكان يلبث في بطنه إلى يوم يبعثون ، ثم ينبذ بعد ذلك بالعراء وهو مذموم ، لكن الله تعالى تفضل عليه بقبول توبته ؛ فنبذه بالعراء ، وهو سقيم أي : محموم ؛ فقوله : لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ ، لو عاقبه بالنبذ ، ولكن إنما نبذ بالعراء بعد قبول التوبة ؛ فلم يصر مذموما .

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في أ : ربك . ( 3 ) زاد في أ : به . ( 4 ) في ب : فإذ . ( 5 ) سقط في ب .